السيد محمد باقر الصدر
341
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الحاج ، فقال شيبة : في أيدينا مفاتيح الكعبة فنحن خير الناس بعد رسول اللَّه ، وقال العباس : في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فنحن خير الناس بعد الرسول ، ومرّ بهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وهما في فورة عاطفية ، فحدّثاه بحديثهما معبّرين بذلك عن مقاييس الجاهلية ومفاهيمها الخلقية ، فابتدرهما هذا الرجل القرآني المدرّب على مفاهيم القرآن واستيعابها في واقع الحياة قائلًا : ألا أدلّكما على من هو خير منكما ؟ قالا له ومن هو ؟ فقال : هو الذي أدخلكما في الإسلام وآمن باللَّه وجاهد في سبيله . ولم يرق هذا للعباس وشيبة فاحتكموا عند النبي صلى الله عليه وآله ، فأنزل اللَّه الآية المباركة « 1 » ليؤكد أنّ العمل في إطار الإيمان وبدافع إلهي لا يمكن أن يقارن بأيّ عمل آخر خارج هذا النطاق مهما بدا عظيماً ، لأنّ قيمة العمل تنبثق من إطاره ودوافعه لا من مظهره الخارجي ونتائجه . ولأجل هذا أيضاً حرّم الإسلام الرياء ، واعتبر العبادة التي يجرّدها العابد عن الإطار الإيماني والدوافع الإلهية جريمة وشركاً ، مهما كان أثرها في المجتمع أو لونها الظاهري . فليس من الغريب - بعد هذا - أن ينقلب عمران المسجد عملًا باطلًا وساقطاً ، حين يكون هذا العمران بعيداً عن الإطار والدوافع الإيمانية ، كما نجد في قوله تعالى : « ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ * إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ » . وكذلك حثّ الإسلام على صدقة السرّ والتكتّم ببعض ألوان البرّ ، حرصاً منه على توفير المقوّمات الأساسية للعمل الصالح ، فهو يطلب من الفرد أن يبتعد بعمله
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين 2 : 193 - 194